حيدر حب الله

86

فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إسرائيل « 1 » ، وكلّه ليس بحثنا ، وللاختصار قد يبرز تمييز هنا يقوم على وجود فرق أساس بين تلك الآيات والتي نحن فيها ؛ فإنّ تلك الآيات تتحدث عن بني إسرائيل في حدّ أنفسهم وأنّ الله اختارهم أو فضّلهم على العالمين في أمرٍ ما ، سواء قصد بالعالمين خصوص زمانهم أم مطلق الأزمنة الحاضرة والمستقبلة والماضية ؛ أما الآية التي نحن فيها فلا تدلّ على أفضلية الأمة الإسلامية في حدّ نفسها ، وإنما الأفضلية التي جاءت بملاحظة علاقة هذه الأمة بسائر الناس ، فالأمة المسلمة خير أمّة للآخرين ( أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) ، وليس هناك حديث مباشر عن أفضليتها في حدّ نفسها ، على خلاف آيات بني إسرائيل ، فليس فيها هذه النقطة ، بصرف النظر عن حسم تفسيرها في محلّه ، ولذلك كانت تكملة الآية : ( تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ) بمثابة الحال الذي في معنى التعليل ، على حدّ تعبير ابن عاشور « 2 » ، وهذا فارق جوهري ورئيس . 8 - 1 - مبدأ اللامبالاة إزاء الآخرين وضلالهم ، إشكاليّة وجود المسقِط لفريضة الأمر والنهي تحدّثت بعض الآيات القرآنية عن تبرير شكلٍ من أشكال اللامبالاة إزاء سلوك الآخرين واعتقاداتهم ، وقد تكون هذه الآيات أساساً لرفض مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعمدة هذه الآيات قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ( المائدة : 105 ) ، وقد ذكر الإمام أبو منصور الماتريدي ( 333 ه - ) في كتابه شرح الفقه الأكبر أن المجبرة كانوا يستدلّون بهذه الآية الكريمة لإسقاط

--> ( 1 ) راجع - من باب المثال - : الطبرسي ، مجمع البيان 9 : 110 . ( 2 ) ابن عاشور ، التحرير والتنوير 3 : 189 .